ابن كثير

34

السيرة النبوية

فجعل رسول الله صلى الله عليه وسلم يسألني عمن تخلف عنه من بني غفار فأخبره به . فقال وهو يسألني : " ما فعل النفر الحمر الطوال الثطاط ( 1 ) الذين لا شعر في وجوههم ؟ " فحدثته بتخلفهم قال : " فما فعل النفر السود الجعاد القصاز ؟ " قال : قلت : والله ما أعرف هؤلاء منا . قال : " بلى الذين لهم نعم بشبكة شدخ ( 2 ) " فتذكرتهم في بني غفار فلم أذكرهم ، حتى ذكرت أنهم رهط من أسلم كانوا حلفاء فينا ، فقلت : يا رسول الله أولئك رهط من أسلم حلفاء فينا . فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " ما منع أحد أولئك حين تخلف أن يحمل على بعير من إبله امرأ نشيطا في سبيل الله ؟ إن أعز أهلي على أن يتخلف عنى المهاجرون والأنصار وغفار وأسلم " . * * * وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود ، عن عروة بن الزبير قال : لما قفل رسول الله صلى الله عليه وسلم من تبوك إلى المدينة هم جماعة من المنافقين بالفتك به وأن يطرحوه من رأس عقبة في الطريق ، فأخبر بخبرهم ، فأمر الناس بالمسير من الوادي وصعد هو العقبة ، وسلكها معه أولئك النفر وقد تلثموا ، وأمر رسول الله صلى الله عليه وسلم عمار بن ياسر وحذيفة بن اليمان أن يمشيا معه ، عمار آخذ بزمام الناقة وحذيفة يسوقها . فبينما هم يسيرون إذ سمعوا بالقوم قد غشوهم . فغضب رسول الله وأبصر حذيفة غضبه فرجع إليهم ومعه محجن فاستقبل وجوه رواحلهم بمحجنه ، فلما رأوا حذيفة ظنوا أن قد أظهر على ما أضمروه من الامر العظيم ، فأسرعوا حتى خالطوا الناس .

--> ( 1 ) الثطاط : جمع ثط ، وهو القليل شعر اللحية . ( 2 ) شبكة شدخ : ماء لأسلم بالحجاز .